السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

475

مفاتيح الأصول

يكون التّبين والتجسس والفحص عن الصّدق والكذب في خبر الفاسق واجبا تعبديا باعتبار أنّه لا حرمة له ومن الظاهر أن من لا حرمة له لا يقبح الفحص عن معايبه وإظهارها وليس العادل كذلك لأنه محترم فلعلَّه لذلك رفع تعالى وجوب التبين في خبره إذ لو وجب أيضا لوجب هتك حرمته وهو ينافي كونه محترما فعدم وجوب التّبين في خبر العدل باعتبار كونه محترما لا يقتضي قبول خبره ألا ترى أنه لو قال السّيد لعبده لا تقبل خبر العادل ولا خبر الفاسق ولكن إذا أخبرك الفاسق فيجب عليك أن تتفحّص عن صدقه وكذبه وإذا أخبرك العادل فلا يجب أن تتفحص عن صدقه وكذبه بل لا يجوز لم يكن في كلامه تناقض ولا مضادة أصلا وليس ذلك إلا لأن عدم وجوب التبيّن لا يستلزم القبول لا يقال غاية ما يستفاد من المفهوم نفي وجوب التبيّن في خبر العدل وليس فيه دلالة على تحريمه وما ذكرته لا يتم إلَّا على تقدير حرمة التبيّن في خبر العدل إذ مع جوازه يرتفع الحكمة المشار إليها لأنا نقول ذلك باطل لأن الحكمة تتحقق على هذا التقدير أيضا على أن نفي الوجوب لا يستلزم الجواز فلعل المنع منه قد ثبت بدليل آخر فتدبر ولا يقال قد فهم جمع كثير من أعاظم المحققين من نفي وجوب التبين جواز الاعتماد ويبعد خطاؤهم في الفهم لأنا نقول هذا حسن لولا إظهارهم منشأ الفهم وعدم ظهور البطلان وأما مع ذلك فلا بد من الحكم بخطائهم مضافا إلى معارضة ما ذكروه بمصير جماعة من أعاظم المحققين أيضا إلى عدم دلالة الآية الشّريفة على حجيّة خبر العدل فتأمل ولا يقال الأمر بالتبيّن ليس للوجوب النفسي حتى يتجه ما ذكر بل هو للوجوب الشرطي كما في قوله عليه السّلام اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه وعلى هذا يلزم قبول خبر العدل لأن الشرط في قبول خبر الفاسق إذا كان التبيّن كان اللازم بحكم المفهوم أن لا يكون شرطا في قبول خبر العدل وهو المطلوب لأنا نقول الظاهر من إطلاق الأمر الوجوب النفسي فحمله على الوجوب الشرطي خلاف الظاهر ولا يجوز المصير إلى خلاف الظاهر إلا بدليل وهو هنا مفقود فتعيّن الأخذ بالظاهر ومعه يسقط الاستدلال بالآية الشّريفة على المدعى الثّاني أنّ الآية الشريفة لا تنهض بالدّلالة على حجيّة خبر العدل إلا بعد ضمّ المقدّمة القائلة بأن العادل لا يجوز أن يكون أسوأ حالا من الفاسق إذ مع قطع النظر عن هذه المقدّمة لا دلالة للآية الشريفة على ذلك بشيء من الدّلالات الثلاث اللَّفظيّة جدّا ومن الظاهر أن مرجع المقدّمة المذكورة إلى قاعدة القياس بالطريق الأولى الغير المستفاد من الخطاب كما في لا تقل لهما أفّ ومن الظاهر أن هذا القسم من القياس لا يكون حجّة وإن أفاد الظن إلا على تقدير أصالة حجيّة كلّ ظن لعدم دليل قاطع من الأدلة الأربعة على حجيته أما الكتاب فظاهر إذ ليس ما يقتضي حجيته من قاطع أو ظاهر بل مقتضى عموم ما دل على حرمة العمل بالظن المنع منه وأما السنة فكذلك إذ ليس فيها قاطع يقتضي حجيّة ذلك نعم ربما يستفاد من بعض الأخبار حجيّته ولكنّه من الآحاد فلا يصلح للحجيّة لأنها أوّل الكلام مع معارضته بالعمومات من السنة المانعة من العمل بغير العلم ومن العمل بالقياس مطلقا ومن خصوص هذا القياس وأما الإجماع فلاختلاف الإمامية في حجيّة القياس المفروض ومع الاختلاف المذكور يبعد الاطلاع على الإجماع وأما العقل فلأنه لم يوجد من قواعده القطعية ما يقتضي حجية المفروض بخصوصه كما لا يخلو وحينئذ لا يجوز للخصم المدعي للظنون المخصوصة الاعتماد على الآية الشريفة في إثبات حجيّة خبر العدل ثم لو سلَّمنا وقلنا بأنّ الظن المستفاد من هذا القسم من القياس من الظنون المخصوصة فنقول يلزم عليه أن يكون بعض أقسام الشّهرة والاستقراء ونحوهما من الظنون التي هي محلّ الخلاف حجّة وهو الذي يكون ظنا أقوى من الظن المستفاد من ظاهر الكتاب وغيره من الظنون الَّتي زعم الخصم أنها من الظنون المخصوصة وذلك للقياس المتقدم إليه الإشارة لجريانه هنا أيضا قطعا وإذا ثبت حجيّة بعض الأقسام بقاعدة الأولوية تثبت حجية الباقي بعدم القائل بالفصل اللهمّ إلَّا أن يقال إن القياس المذكور وإن كان جاريا هنا ولكنه معارض بمثله وذلك لأنّه لا ريب أن القياس المستنبط العلَّة ليس بحجّة مطلقا حتى ما يفيد الظن الأقوى من الظن الحاصل من الشّهرة والاستقراء ونحوهما من الظنون الَّتي هي محل البحث وذلك مستلزم بقاعدة الأولوية يعني هذا القياس المفروض لعدم حجيّة الأضعف من الظنون المشار إليها وحيث لا ترجيح بين المتعارضين فيجب التوقف هنا ولما لم يكن للقياس المفروض معارض في مقام الاحتجاج بالآية الشّريفة على حجيّة خبر العدل وجب العمل به لأنه من الظنون المخصوصة وفيه نظر فأن المعارضة المذكورة ممنوعة للمنع من وجود ظن منهيّ عنه من قياس ونحوه يكون أقوى من أقسام الشهرة والاستقراء ونحوهما من الظنون التي هي محلّ البحث فتأمل الثّالث أنّ خبر العادل لا يجوز الاعتماد عليه في نفس الأحكام الشرعية إلا بعد الفحص والاجتهاد وبذل الجهد والتّبيّن في صدقه وكذبه باتفاق المجتهدين على الظاهر فقد ساوى خبر الفاسق في وجوب التّبين وإن سلَّم أن خبر الفاسق لا يجوز العمل به بعد التبيّن فيه إذا لم يحصل منه العلم وخبر العادل يجوز العمل به بعد التّبين إذا لم يحصل منه العلم فلا يكون المفهوم شاملا للأحكام الشرعية فيكون المراد الموضوعات الصّرفة فيسقط الاستدلال به على حجية خبر العدل لا يقال الفحص والاجتهاد الواجبان على المجتهد في العمل بخبر الواحد العدل ليس من باب التّبيّن المراد في الآية الشّريفة لأنا نقول ذلك باطل قطعا بل ذلك تبين حقيقة لا يقال لا نسلَّم وجوب التبيّن في خبر العدل ألا ترى أنه قد استدل على حجيته بإجماع السلف من الرّجال والنّساء على العمل به ومن الظاهر أنهم كانوا يعملون به من غير تبين لأنا نقول بعد تسليم